أم …..قصه قصيره
كتبهاروح ، في 1 سبتمبر 2009 الساعة: 21:11 مالسادسه صباحا، كانت أم أحمد على باب شقتها القديمه فى أحدى مدن مصر والتى تبعد عن القاهره 120 كليومتر ، لم تنم فى هذه الليله ، إنه موعد وصول إبنها الأصغر عمر من السفر،سنوات طوال وهى لم ترى إبنها، هذا الإبن الذى إعتاد الغربه من سنوات طوال أكثر من عشون عاما وهو فى غربته هذه، كانت دائما تدعو له ودائما ماتقول له أن ينتبه لنفسه وكل ماجمع من غربته يجب أن يحتفظ به لنفسه حتى يكون مستقبل له ولأولاده، ذات يوم فاجأهم جميعا بأنه سوف يتزوج إحدى الفتيات، إبنه عائله محترمه ، من قلب العاصمه، أهلها ناس من الطبقه العليا، لم يكن أحد يعلم عن هذه الفتاه غير هذه المعلومات، حتى إسم عائلتها كان غير معلوم للكل ، الكل بارك الزيجه (حيث أن لاأحد يملك غير ذلك) ومرت الايام تباعا ،تلتها سنون ،،،، وأصبح له ولد وبنت وكل مايربط أولاد عمر بأهل والده ه الصور والمكالمات الهاتفيه، واليوم يصل عمر من السفر، تزينت أم عمر بكل ماتملك من زينه(شالها الحرير وردائها الاسود الذى لم تغير لونه منذ سنوات طوال) وذهبت للقاء إبنها وأولاده فى مطار القاهره، كان عمر قد أخبر الجميع بإنه لن يستطيع أن يقضى أجازته فى مدينتهم القديمه وسوف يستأجر شقه مفروشه فى القاهره (حيث يعيش أهل زوجته) لتمضيه الاجازه هناك ، هنا قررت أم أحمد أن تذهب هى لرؤية أحفادها وكذلك إبنها وزوجته، بالرغم من أن إبنها عمر قد أخبرهم بأنه يحتاج قليل من الوقت كى يرتب لهذا اللقاء بين أهله وأهل زوجته( بمعنى آخر كان يؤجل هذا اللقاء خوفا من رأى أهل زوجته فى أهله الفقراء المعدومون). لهذا قررت أمه أن تشد الرحال الى المدينه الكبيره التى لم تطأها قدماها مره واحده طيله الستون عاما التى هى عمرها كله.
خرجت من بيتها فى السادسه صباحا ، لم تكن قادره على الصبر أكثر من ذلك برغم أنها تعرف أن موعد وصول الطائره سيكون فى الثامنه ليلا ، على رأس الشارع كان محمود يجهز التكتك كى يبدأ يومه للعمل عليه ويقتات منه له وللأولاده، وعندما رأى أم أحمد (التى يناديها أم عمر لأن عمر كان صديق طفولته وهو أيضا إبنها الاصغر) نادى عليها بكل صوته قائلا: رايحه فين يا أمه بدرى كده؟ قالت السيده: راحه مصر عشان أقابل عمر إبنى أصله جاى من السفر النهارده. قال محمود : طب ياأمه مش هو هايجيلك لغايه هنا, يعنى قصدى مالهاش لازمه البهدله ياأمه خليكى ف البيت وهو هايجى ، قالت الام بكل هدوء : مش قادره أستنى بقى يامحمود ، ماتيجى توصلنى للمحطه عشان أنا مش هعرف أروح لوحدى وعشان ألحق أوصل بدرى،،،،،، فى الطريق قالت له:امحمود يابنى الله يخليك ماتسيبنيش وتمشى قبل ماتقطعلى تذكره فى القطر اللى بيروح مصر عشان أنا مش هعرف ويارت يابنى كمان تقول للسواق لما نوصل مصر يقوللى أركب منين عشان أروح المطار ، أنا مش عاوزه أتأخر على عمر وخايفه يوصل بدرى وأنا ما ألحقوش،،، قال لها محمود ضاحكا : يا أمه انتى هاتوصلى قبل المعاد بكتيييير، أنا مش عارف انتى مستعجله كده ليه،،،، حاضر يا أمه ، والله أنا لو معايا فلوس لمصاريف البيت النهارده كنت روحت معاكى عالمطار وماسبتكيش تروحى المشوار ده لوحدك، وقعت هذه الكلمات ثقيله على أم عمر بإعتبار أن لها من الأولاد إثنان غير عمر (أحمد وعلى) ومن العيب أن يتركوها فى مثل هذه الحاله، ولكنها تداركت الموقف دفاعا عن أولادها وقالت : يامحمود يابنى ماهو أحمد وعلى قالولى نفس الكلام ، كل واحد منهم عنده شغل ضرورى ومش هايعرفوا ييجوا معايا ، وبعدين ياواد هو انا كبرت أوى يعنى ومش هعرف أروح لوحدى ؟ ربنا يخليكوا ليا ، ما هو إنتوا كلكوا ولادى .
فى محطه القطار أوقف محمود التكتك بعيدا وذهب مع أم أحمد الى شباك التذاكر ، ناولته أم أحمد كل ما معها من نقود وقالت له : خد يابنى إقطع تذكره ، أنا عارفه الظروف ، مد محمود يده إليها وهو ينظر الى الأرض , وعلى كرسى الإنتظار أجلسها وقال لها أن القطار سوف يصل بعد نصف ساعه وأن الرجل الجالس هناك سوف يساعدها فى الوصول الى المطار عندما يصلوا الى القاهره.
فى القطار أخذت أم أحمد تتذكر مامر بإبنها عمر طوال سنوات غربته ، تذكرت أول يوم قال لها فيه أنه ينوى السفر الى العراق وكم كانت فجعتها حينما سمعت منه هذا الخبر، كانت قد فقدت إبنها مجدى فى هذا البلد منذ سنوات قلائل ، كانت الحرب الإيرانيه العراقيه وقتها لازالت رحاها على أشدها ، ولم تقبل أم أحمد أن يسافر إبنها الأصغر الى العراق بعد أن فقدت إبنها الثانى هناك ، ولكن عمر لم يكن يهتم كثيرا لذلك ، حينها قال كثيرا من المبررات التى لم تكن مقبوله من قلب أم فقد وليده فى نفس البلد، ولكن ماباليد حيله ، كان عمر مصمما على السفر ، وسافر ، وتذكرت إيضا كيف عاد من هناك وهو لايحمل منها غير الخيبه بعد سبع سنوات قضاها هناك، سبع سنوات ضاعت من عمره فى العراق وعاد خالى الوفاض كما عاد الكثير من أبناء الجيران فى تلك الفتره، وتذكرت أيضا حينما قرر السفر مرة ثانيه بعد شهور قلائل أمضاها يحارب الأيام بحثا عن عمل فى مدينتهم الصغيره بمساحتها والمكتظه بمن هم مثله من العاطلين عن العمل، وتذكرا أيضا أنها لم تكن تملك أن تمنعه من السفر للمره الثانيه، تذكرت أيضا أنها لم تكن تملك ماتساعد به إبنها الأصغر على السفر ، وتذكرت ماباعه إبنها من أثاث حتى يستطيع أن يوفر ثمن تذكره السفر الى إحدى دول الخليج، تذكرت أيضا أنها قالت له : خد بالك من نفسك وحافظ على فلوسك، ماتحملش همى ، أنا عايشه على معاش أبوك ، وإخواتك مش مخليننى عاوزه حاجه، المهم إنك تعمل لنفسك حاجه بقى ياإبنى ، العمر بيفوت وأنا نفسى بقى أجوزك وأشيل أولادك قبل ما أقابل رب كريم، تذكرت أيضا أنه قضى أكثر من عشر سنوات ولم يفكر أن يزورهم مره واحده فى خلال هذه السنوات، كان كثيرا مايسألها إذا كانت تريده أن ينزل أجازه كى يزورهم ، وكانت هى تقول له : لو ماكنتش لسه تقدر تقف على رجليك خليك يابنى ، إحنا كلنا كويسين ومش ناقصنا حاجه المهم انك تعمل لنفسك حاجه.
فى العاشره والنصف صباحا وصل القطار الى محطه مصر، وحين همت بالنزول وجدت ذلك الرجل يقف الى جوارها ويقول : تعالى ياأمى أنا هاوصلك لمكان تركبى منه الأتوبيس عشان تروحى المطار، ولم يكن أمامها إلا أن تدعوا له (ربنا يخليك يابنى وينورلك طريقك)، صعدت إلى الأتوبيس ولم تجد لها مكان للجلوس،،،، كان الاتوبيس مكتظا بالناس ، يااااااااااااه هى الدنيا إتغيرت كده ليه،،،، الناس بقوا كتير أوى ،،،،، حاولت أن تسأل أحد عن محطة المطار ولكن خجلها منعها من السؤال فى بادئ الأمر ولكن وبعد أكثر من ساعه فى الأتوبيس لم تجد مفرا من سؤال سيده كانت تجلس أمامها: هى المحطه بتاع المطار لسه عليها بدرى يابنتى؟ أجابتها السيده دون النظر إليها : أيوه ياحاجه لسه شويه، لما تلاقى الأتوبيس بقى فاضى ومفيش فيه ناس كتير تعرفى إن المحطه قربت ، ماهى دى هاتبقى آخر محطه. تسلمى يابنتى ، أصل أنا رايحه أقابل إبنى ، ماهو جاى من السفر ومعاه مراته وأولاده، أصل أنا ماشفتوش من سنين، وبينى وبينك بقى إنتى عارفه الأم ، والله يابنتى أنا ماعرفتش أنام طول الليل ، عاوزه اشوفه وأشوف ولاده، ربنا يخليلك ولادك يارب،،،،،،، لم تجب السيده بكلمه.
الساعه الرابعه عصرا، تذكرت أم أحمد أنها لم تتناول علاج القلب الذى كان من المفروض أن يكون موعده بعد وجبه الفطور مباشرة ، كانت تنتظر فى صالة الإنتظار بمطار القاهره، نهضت وبحثت عن مكان يمكنها أن تحصل على أى شيء يؤكل حتى تتناول من بعده دواء القلب ، لم تجد غير كافيتيريا صغيره لاتعرف أى شيء بها ولا تعرف حتى ماذا يمكن أن تأكل منها ولا أى إسم مما يبيعونه فيها، خجلت السيده العجوز أن تطلب من البائع الواقف هناك شيء لتقتات به، قالت لنفسها: مش مهم بقى كلها كام ساعه ويوصل عمر وهو هايعرف يتكلم مع الناس دى أو حتى هايقوللى إيه اللى ممكن آكله من هنا،،،،،،
فى الثامنه مساءا ، كانت أم أحمد تقف من حوالى النصف ساعه، ترتب شالها الأسود بين لحظه وأخرى ، تنظر غلى هندامها…ردائها الأسود….تتأكد أن كل شيء فيها مرتب …تنتظر أن تكحل عينيها برؤية أولاد إبنها عن بعد…… نعم كانت تريد أن تراهم عن بعد، فقد كانت كلمات عمر إبنها واضحه رغم أنه لم يقلها مباشرة…..لم يكن على إستعداد لأن ترى زوجته أو أهلها أى فرد من أهله فى الوقت الراهن، كان يرتب أن يطلب من أهله القدوم الى القاهره ثم يرتب لقاء بين الأسرتين بشكل ما فى شقته المفروشه فى القاهره……………………….. ..وبينما هى كذلك إذ رأتها عن بعد، نعم إنها هى سحر، تلك الطفله ذات الأثنى عشر ربيعا حين رأتها لآخر مره فى عرس أحد أقاربها من الطبقه العليا، نعم إنها سحر إبنة الأستاذ محمد رجل القانون البارز فى مدينتهم الصغيره والتى غادرها منذ عشرون عاما وأخذ معه أسرته كلها للعيش فى القاهره، ولم تعرف عنه أو عن زوجته وأولاده شيئ بعد ذلك،،،،،،،،،،،،فوجئت بها تتقدم إليها قائله: ماما نور ….. مش حضرتك برضه ماما نور ، إنتى مش فاكرانى ياماما ، أنا سحر ؟ لم ترد أم عمر وإنما فتحت ذراعيها وإرتمت سحر فى أحضانها ترتوى من حنانها الذى إفتقدته طوال العشرون عاما الماضيه ….. وبكت …. حاولت أن تجمع الكلمات من بين عبراتها قائله : والله ياماما انا حاولت أعرف عنك أى حاجه ، سألت كل الى أعرفهم عليكى بس محدش كان عارف يقوللى إزاى أعرف أتصل بيكى ، سامحينى ياماما نور ، أنا عارفه إنى مقصره معاكى ، إنتى واحشانى أوى ، نفسى أقعد معاكى وأحكيلك زى زمان، خدينى ف حضنك أوى ياماما ، ،،،،،،،،،،، ثم أفاقت فجأه على شيء هام …. أولادى ….. إستنى ياماما هاعرفك على نور بنتى وعلى إبنى،شفتى ياماما أنا اللى قلت لجوزى يسمى البنت نور ،شفتى أنا بحبك أد أيه ، عارفه ياماما هو فى الأول قاللى إن إسم نور ده قديم ، بس أنا صممت إنى أسميها نور على إسمك ، عارفه : بعد كده إكتشفت إن مامته كمان إسمها نور ، هو كلمنى عنها كتير ، أنا مش عارفه ليه هو مصمم إننا ننزل فى القاهره ، أنا كنت عاوزه أروح عندهم عشان أتعرف على أهله ، بس هو رافض ، قاللى إنه هايخليهم هما ييجوا هنا القاهره يزورونا ، مش عارفه ياماما هو ليه مصمم على كده ، أنا عارفه إن أهله ناس على أد حالهم بس مش ده المهم ، المهم إنى عاوزاكى تقابليه عشان تشوفيه الأول ، نفسى أوى يشوف أعظم أم ف الدنيا …………..وسكتت سحر فجأه ……… ماما إنت ليه ساكته ؟ سألتها سحر هذا السؤال ونظرت إلى عينها التى ملأتها الدموع وهى شاخصه ببصرها على إبنتها نور وإبنها على ومن ورائهم يقف رجل ……….. كان هذا الرجل هو إبنها عمر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق